الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

60

نفحات القرآن

في الآية الثالثة يؤكد على نقطة جديدة أخرى ويقول بعد الإشارة إلى خلق الإنسان من النطفة « خصيم مُبين » . وقد وردت تفاسير متعددة لهذا التعبير : فقالوا تارة إنّها إشارة إلى مرحلتي « الضعف » و « القوة » لدى الإنسان ، حيث كان يوماً ما نطفة حقيرة ويصبح لاحقاً قوياً ومقتدراً إلى درجة قيامه بالخصومة والضجيج إزاء كل شخص حتى إزاء اللَّه ! . وقالوا تارة إنّها إشارة إلى ملكة النطق والفهم والشعور لدى الإنسان ، فهذه النطفة الحقيرة يصل بها الأمر إلى عدم الاقتصار على النطق فقط ، بل إلى التمتع بالقدرة على الاستدلال المنطقي بأنواعه والاقتدار العقلي ، ونحن نعلم أنّ ظاهرة النطق والبيان والمنطق والاستدلال من أهم ظواهر الوجود الإنساني . وقيل أحياناً : إنّ هذا التعبير إشارة إلى النزاع العجيب الذي يحصل بين الخلايا الذكرية ( الحيامن ) من أجل التسلط والاتحاد بالخلية الأنثوية ( البيضة ) ، لأنّ نطفة الذكر عندما تدخل الرحم تتحرك آلاف الحيامن بسرعة كبيرة لتصل إلى نطفة الأنثى وتتحد معها . وأول حيمن يصل إليها وينفذ إلى داخلها يسد الطريق على بقية الحيامن ، لأنّ غشاءً مقاوماً سيحيط بالبيضة ويمنع من نفوذ بقية الحيامن إليها ، وبهذا فإنّ البقية سيهزمون في هذا الصراع العجيب ويمتصهم الدم ، ولهذا يشير القرآن الكريم بعد ذكر مرحلة النطفة إلى قضية « خصيم مُبين » « 1 » . في الآية الرابعة أيضا يرد ذكر الخلقة من التراب ثم النطفة وبعد ذلك مرحلة التسوية والتنظيم ، وفي الآية الخامسة وهي آخر الآيات يضيف القرآن إلى كل هذا مرحلة « الولادة » وخروج الجنين من بطن الأم على شكل طفل وليد : « ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا » . وكما نعرف فإنّ أهم عجائب الجنين هي نهاية عمره ، بالولادة ، أية عوامل تؤدّي إلى

--> ( 1 ) إعجاز قرآن از نظر علوم روز ، ص 27 ( بالفارسية ) .